فوزي آل سيف

111

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

وأصدق ما قال هو: ويبقى من المال الأحاديث والذكر، وشاهد ذلك أننا - وغيرنا - لا نزال نذكره بعد مرور عشرات القرون على موته! ولأن الولد عُديًّا كان له الاستعداد الذاتي للسخاء فقد آتت تربية والده إياه ثمارها ونتائجها، وأصبح عديٌّ شبيه أبيه في سخائه ولذلك قيل فيه: شابَهَ حاتِماً عَدِيٌّ في الكَرَم ومَن يُشابِه أبَهُ فما ظلَم وبناء على أنه توفي سنة 67 هـ كما قيل، وأن عمره كان نحو 100 سنة، فهذا يعني أن ولادته كانت بحدود سنة 33 قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله، وقد يكون لوجود قبيلته في حائل المحاذية لتبوك وبلاد الشام، فقد تأثر هو وبعض قبيلته بالتوجهات الدينية الموجودة في بلاد الشام. ويعتقد أن الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية[326]هي التي كانت سائدة في ذلك الوقت، في بلاد الشام وسورية على وجه التحديد وهي الأكثر عدداً وأتباعاً في تلك الفترة، لا شك أنها تفكر في التمدد في مختلف الجهات، وكانت تبوك وحائل مسكن طي في الجنوب الشرقي لتلك البلاد هي من أوائل البلاد التي استقبلت التأثير المسيحي، ولا ريب أن العقلاء عندما يعرض عليهم مثل المسيحية بتعاليمها - ولو لم تكن كاملة - ويعرض عليهم عبادة الأصنام والوثنية، سيختارون المسيحية، إذ لا مجال للمقايسة بين المنهجين! وبالرغم من أن هناك كلاماً عن أن حاتمًا الطائي وابنه عديًّا على أثر ذهابهما إلى الشام للتجارة والحصول على المؤن، قد التقيا بالقساوسة فتركا عبادة الأصنام وأصبحا مسيحيين، ولا نعلم عن المصدر الذي تم اعتماده في ذلك، لكننا لسنا بحاجة لهذا فإن المنطق الطبيعي للأمور يقتضيه، فإن من المعلوم أن عديًّا عندما جاء ليسلم كان قبل ذلك على المسيحية كما يظهر من حواره مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسيأتي ذكره. ستمر سنوات كثيرة من بداية بعثة النبي صلى الله عليه وآله، إلى هجرته وإلى خوضه الحروب دفاعاً عن الدعوة والدولة التي أنشأها في المدينة المنورة.. إلى السنة التاسعة للهجرة. يصور بعض الباحثين الموقف بما خلاصته؛ أن المسلمين بقيادة رسول الله صلى الله عليه وآله قد أصبحوا في هذه السنوات سادة الجزيرة العربية بعد أن فتحوا مكة وأسقطوا مجتمع الشرك وقيادته، وأخضعوا الطائف بقبائلها وأخرجوا اليهود من المدينة بعد أن هزموهم في مناطق متعددة منها، فبرز المسلمون كقوة لا تنازَع. وتمددت الدعوة للإسلام خارج الجزيرة العربية بواسطة رسل رسول الله صلى الله عليه وآله تارة، والتواصل التجاري بين المجتمعات أخرى، وتأثرت المناطق العربية المتاخمة للشام والتي كانت خاضعة للرومان، بل تعرفت على الإسلام وتعاليمه الأمر الذي أدى إلى إسلام بعضهم حتى على مستوى القيادات العسكرية التي كانت في صف الروم! وفي نفس الوقت فقد "كثر تذمّر الناس من ظلم حكام الروم وإرهاقهم بالضرائب، لذلك أقبل كثير من القبائل العربية الخاضعة لحكم الروم على اعتناق الإسلام. أسلم فروة بن عمرو الجذامي قائد إحدى فرق الروم العسكرية التي قاتلت المسلمين في غزوة

--> 326 ) تنقسم الفرق المسيحية إلى ثلاث أساسية وإن كانت ـ بالعدد أكثر من هذا بكثير ـ: الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس، ولمزيد من الاطلاع يرجع كتابنا: من قصة الديانات والرسل..